أسعد السحمراني

88

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

في عالم المثل ، عالم الحقائق بالذات . فالنفس عند أرسطو ليس لها حياة سابقة قبل أن تحلّ في البدن ، وإنما وجدت عندما أصبح هناك بدن جاهز لاستقبالها ، وبذلك تكون القيم الأخلاقية الموصلة إلى الخير والسعادة عبر الأعمال الفاضلة غير متأتّية من أمور سابقة تكمن في ضمير الإنسان وفكره ، وإنما هي أمور مكتسبة - خاصة من الممارسة - فمن تعوّد وتدرّب على ممارسة الأعمال الفاضلة أصبح عنده ثوابت وقيم لفلسفة أخلاقية فاضلة . كأنّي بأرسطو يقدّم - وفق مفهومه هذا - العمل والتطبيق على القول والنظر ، ويظهر ذلك في قوله : « أما الفضائل فإنّا نكتسبها إذا استعملناه أولا ، كالحال في سائر الصناعات . لأن الأشياء التي ينبغي أن نعملها إذا تعلمناها ، هنا إذا عملناها تعلّمناها ، مثال ذلك إذا بنينا صرنا بنّائين ، وإذا ضربنا العود صرنا ضرّابين للعود ، وإذا فعلنا أمور العدل صرنا عادلين ، وإذا فعلنا أمور العفّة صرنا أعفّاء ، وإذا فعلنا أمور الشجاعة صرنا شجعاء » « 1 » . الأخلاق عند أرسطو إذن ليست علما نظريا يتعلّق بالظواهر الأخلاقية ، وإنما يتصف الإنسان بالفضيلة إذا مارسها ، والمعرفة وحدها غير كافية في هذا الباب ، وهذا الأمر هو الذي دفع أرسطو لإضافة الأخلاق إلى موضوعات ومباحث الفلسفة العملية . والفضيلة عنده ليست إسرافا في قمع الجسد لصالح النفس ، وليست ميلا كليّا إلى اللذات الحسّية والمنفعة الخاصة . فالإفراط والتفريط فيهما خروج عن طريق الفضيلة ، والإقلال أو الإكثار لا يوصلان إلى السعادة . الفضيلة هي توسّط واعتدال . الفضيلة هي ضبط للانفعالات لتحقيق الاتّزان ، وضبط للأفعال لتحقيق الاعتدال ، والأمران معا يؤديان إلى الوسطية . إن « الفضيلة لها علاقة

--> ( 1 ) أرسطو ، الأخلاق ، م . س ، ص 86 .